ابن الجوزي
76
زاد المسير في علم التفسير
لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ( 22 ) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ( 23 ) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ( 24 ) قوله تعالى : ( لا جرم ) قال ابن عباس : يريد : حقا إنهم الأخسرون . وقال الفراء : ( لا جرم ) كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، فجرت على ذلك ، وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة ( حقا ) ، ألا ترى أن العرب تقول : لا جرم لآتينك ، لا جرم لقد أحسنت ، وأصلها من جرمت ، أي : كسبت الذنب . قال الزجاج : ومعنى ( لا جرم ) : ( لا ) نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، كأن المعنى : لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون ، أي : كسب لهم ذلك الفعل الخسران . وذكر ابن الأنباري أن ( لا ) على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة ، والمعنى : لا يندفع عنهم عذابي ، ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي ، ثم ابتدأ مستأنفا ( جرم ) ، قال : وفيها قولان : أحدهما : أنها بمعنى : كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم . ف ( جرم ) فعل ماض ، معناه : كسب ، وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل . والثاني : أن معنى جرم : أحق وصحح ، وهو فعل ماض ، وفاعله مضمر فيه ، والمعنى : أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم ، قال الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أراد : حقت الطعنة فزارة بالغضب . ومن العرب من يغير لفظ ( جرم ) مع ( لا ) خاصة ، فيقول بعضهم : ( لا جرم ) ويقول آخرون : ( لاجر ) باسقاط الميم ، ويقال : ( لاذا جرم ) و ( لاذا جر ) بغير ميم ، و ( لا إن ذا جرم ) و ( لا عن ذا جرم ) ، ومعنى اللغات كلها : حقا . قوله تعالى : ( وأخبتوا إلى ربهم ) فيه سبعة أقوال : أحدها : خافوا ربهم ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني : أنابوا إلى ربهم ، رواه العوفي عن ابن عباس . والثالث : ثابوا إلى ربهم ، قاله قتادة . والرابع : اطمأنوا ، قاله مجاهد . والخامس : أخلصوا ، قاله مقاتل . والسادس : تخشعوا لربهم ، قاله الفراء .